وانقلبت المعايير!

كان يا مكان ، كنت صغيرة وكانت أمي تحذرني مراراً من تناول الطعام في الطريق، أياً كان الطعام وأياً كانت الأسباب، وعندما كنت أسألها عن السبب كانت تجيبني بإجابة قصيرة ووافية .. حرصاً على مشاعر الفقراء

وكبرت أكثر وأصبحت أكلف أحياناً بشراء بعض الحاجيات من دكانٍ قريب ..كانت أمي تطلب مني دائماً بألا أسمح للبائع بوضع المشتريات في كيسٍ شفاف .. وعندما كنت أسألها عن السبب كانت تجيب بذات الإجابة، حرصاً على مشاعر الفقراء

وكبرت أكثر فأكثر، وتعودت بألا أفصح عن كثير مما أملك ، تنفيذاً للعبارة التي علمتني إياها أمي :حرصاً على مشاعر الفقراء ..

لكنني شيئاً فشيئاً بدأت أشعر بأن المعايير أخذت تتغير، فالناس في عصرنا ما عادوا أبداً يحرصون على مشاعر الفقراء- حتى الفقراء منهم!- ، بل أصبحت المظاهر أسلوب حياة .. والتبجح عادة يومية يمارسها الجميع .. على مبدأ (معك قرش بتسوى قرش) .. أو بالأحرى (معك موبايل بتسوى موبايلك)

اليوم الناس أصبحت مقامات ، فسكان غرب المالكي طبعاً لن يتنازلوا ويتحدثوا مع ناس يسكنون في العدوي مثلاً، وسكان العدوي أيضاً لن يتعبوا أنفسهم بالنظر إلى سكان الطبالة (مع احترامي للجميع) … أي شو جاب الهاي للباي (عذراً تم تعديل المثل حرصاً على النظافة) وكأن سكان الطبالة ليسوا بشراً من لحم ودم ومشاعر وأفكار وأحلام .. وكأن هؤلاء لا يتنفسون من ذات الهواء ويعيشون تحت ذات السماء ..

قديماً عندما كان عريس يتقدم لطلب يد فتاة من أهلها كانوا يسألون (شلون أخلاقوه؟) أما اليوم فأصبحوا يسألون (شو نوع سيارتوه؟) أو بالأحرى شو عندو؟

أعرف بأنك عزيزي القارئ لن تستغرب إذا قلت لك بأنه في زماننا هذا ستضطر لإخفاء موبايلك بعد مرور ستة أشهر فقط على شراءه على أبعد تقدير وإلا فلن تسلم من ألسنة الناس … أي لأ لأ معئول لهلأ حامل دمعة .. يييييي شو كحتة

الأفراح في أيامنا هذه مصيبة ، فالزواج عوضاً أن يكون مشروع بناء، أصبح خربان بيت ع المزبوط .. من الجاهة للخطبة للكتاب للعرس.. كلو زت مصاري.. الصالة بالفورسيزن والآيس كريم من عند بارفيه، وفستان العروس من تصميم إيلي صعب والورد من سويسرا، هذا إذا نسينا البوفيه وفرقة الاستعراض وطقم الألماس … والخ الخ الخ

حتى الأتراح لم تسلم من ذلك التشويه، فعلى عائلة المتوفى رغم مصابها الكبير أن تحضّر لجنازة محترمة وسفرة غداء عامرة والأغرب من ذلك أن تحضر لتذكارات توزع على روح المرحوم!

طبعاً هذا إذا لم أتحدث عن موضة السرلنكيات والأندونسيات تحت شعار سرلنكية لكل دوميزيل ومدام ، ولاعن موضة الصبحيات وجمعات النسوان وأعياد الميلاد في المطاعم والصالات الفخمة ..

الله يرحم أيام زمان عندما كنت اسمع جدتي تردد كثيراً (قال يا أخد القرد ع مالو بكرة بيروح وبيضل القرد على حالو)، ليت جدتي مازالت على قيد الحياة لكانت غيرت أقوالها وقالت (يا أخد الفقير على أخلاقوه بكرة بيضل فقير وبضل جايبتك فاضية!!!)

15 تعليقات إلى “وانقلبت المعايير!”

  1. أمنية يقول:

    هذا ماأصبح عليه المجتمع الشامي ، و أسوا من هذا .
    أنا أكره هذا المجتمع بكل تفاصيله.
    والمثل أصبح : يأ أخد القرد أو القردة عمالها، بكرا بيروح المال و بنلائي قرد تاني ، مو مشكلة بنوب.

  2. Qabbani يقول:

    معك حق ,

    مشان هيك انا ارتحت من هالشغلة , وين ساكن , والله بالإردن :), بس مع ذلك السؤال التاني مباشرة

    ااه طيب و بشام عندك بيت !!

    المشكلة , انه بتلاقي عفوا يعين من هلكمة سكان المالكي ارزل من سكان الشيخ محي دين , و بتلاقي سكان مسربا عندن دين اكتر من اهل ابو رمانة

    المعاير كلها مو زابطة الناس عم بدور على المظاهر و شو بنحكي عليها و نسيانه الجوهر

    صار الواحد يوصل لمرحلة يحكي لحالو , ليه بيت اهلي مو بالمالكي … ضروري بالمزة يعني!!

    تحياتي و نهارك سعيد :)

  3. محمد يقول:

    يعني هيدا هوي البلد بالمختصر

  4. FaRaH M يقول:

    لانقلاب هذه المعايير أسباب … أولها على ما أظن هو الايمان القوي البحت بالواقع المعاش باللحظة
    يعني بكل اختصار البنت شو بتقول لحالا انو شو بدي باخلاقو بكرة بيتحسنوا على الزواج بس هلاء المهم يعيشني ويستتني واضمن حالي ومستقبلي ورفاهيتي
    أصبح المنطق للتفكير بعيد كل البعد عن المبادئ الاساسية لأي حياة ناجحة لا يتخللها المال

    الحديث يطول واسفاه على انقلاب معايير الشام :( :( :( :(
    شكراً فتوشة

  5. مستر بلوند يقول:

    حتى الإحسان للناس وللفقراء أصبح مظاهر ورياء ومفاخرة ..
    نحن تعلمنا عندما أحدنا يريد أن يتصدق يجب ألا تعلم شماله ما في يمينه … هلأ الناس لازم تقيم المهرجانات والعزائم والولائم وكل وسائل الإعلام لازم تكون حاضرة فقط من أجل أن تطرح مساعدة أو مشروع اقتراح إنشاء جمعية خيرية …
    ولازم الشركات تطلع بالإعلام تمنن الناس بفضل خدماتها ومساعداتها …

    مظاهر .. ومظاهر

  6. مجموعة انسان يقول:

    للاسف الدنيا في كل مكان هيك صايرة..ما حدى عم يسال الا عن المظاهر و الزيف..الله يستر من القادم…مدونتك و افكارك جميلة و ممتعة..دمت بخير ..وليد النابلسي

  7. Jasmina يقول:

    بتعرفي شو، بس بدي قللك انو الله محيي البطن اللي حملك، تؤبشني امك شو حبيتا، بإذن الله رح علّم ولادي انو “ما ياكلو بالشارع وانو لما يشتروا شي يحطوا بكيس سميك”. اما عن المجتمع حاليا، الله يعين البشر، المهم كل واحد فينا يتطلع على حالو ويبدا بحالو، ساعتها المجتمع بيسلم

  8. علوش يقول:

    نحن كان عنا بيت بالمزرعة، كان كتير صغير، وبعناه بسنة 99، شنو أهلي سكنوا بالشام بالسبعينات، بعدين انتقلو لحلب.

    المشكلة ما بعرف شي بالشام غير بيت خالي، وخطوتين بالشام بضيع، وكل يلي ذكرتيهن ما بعرفهم.

    فشلون وضع المزرعة؟، كويسة؟ :mrgreen:
    بالنسبة للموضوع، الدنيا كلها قلبت يا فتوشة، لدرجة صرت حاسس إنو نحن يلي انقلبنا وليست الدنيا، صار فينا متل قصة نهر الجنون.

  9. مهند يقول:

    يا حرام يا حرام

    يعني شيلي كلشي ، عالأقل هي تبعيت الموبايل ، شي بيجنن عن جد ….( بتعرف انو موبايلك ما بيسوى أكتر من تلات آلاف ليرة ، يعني كأنوا أنا ما بسوى أكتر منن …… )

  10. ربيع يقول:

    فتوشة جد بتشكرك ذكرتيني بتفاصيل من طفولتي يمكن الأسلوب مختلف لكن الغاية واحدة

    - المظاهر بكل مكان

    على الأقل عندكم عندهم أسبابهم للظهور والاهتمام بالمظاهر

    أما عنا باللادئية المظاهر على ولا شي ……..

    الناس شايفين حالهم حتى الفقراء منهم على شو ما بعرف حتى لما حاولت أعرف ما قدرت أعرف !

    يمكن نكون نحنا الفقراء بهاد المجتمع !

    موبايلي دمعة وما رح غيرو يلي بدو يحكي يحكي ……..!

  11. SooS يقول:

    وقفت كتير عند حرص أمك على مشاعر الفقراء وانعكاس هالشي على تفاصيل صغيرة ماحدا بينتبهلها غالباً ..

    المظاهر للأسف قاتلتنا ومتغلغلة بأعمق أعماقنا ..

    من فترة عم تحكيلي خالتي على وضع الزواجات : ” صارو يلبسو العروس بالعرس دهب تقليد ، أو عيرة بس مشان المظاهر ”

    جد الله يعين كل واحد على وش جواز !!

  12. أحمد نذير بكداش يقول:

    المشكلة ليست في سورية فقط أو حتي مصر!
    المشكلة في نحن!

    كان معي هاتفي Nokia 3310 ظل معي شي خمس سنين ما غيرته, وبعد ما عطل غيرته وجبت تليفون تاني حديث علي حدا ما!

    ولكن أثت\ناء امتلاكي هذا الهاتف! تحضرني قصة غريبة بعد الشيء!

    وهى أن صديقي لي رأي ابي وأمي وأختي, فقال لي أباوك معاه كذا وأمك كذا وأختك كذا بسم الله ما شاء الله!

    طيب ليه أنت معاك 3310!
    ضحكت وقلت له أصلهم متبينيني!
    يعني شو قله, وبعد هيك شرحتله أني ما بدفع قرش واحد في ميزة جديدة أرى أني لن أستفاد منها!

    المظاهر جعلت الناس بتجن!

    واحدة قريبتي السرنكية سرقتها وهربت, فحكى لي ابنها, فقلت له أحسن! مالهم المصريين..

    تحياتي

  13. Aisha يقول:

    ” موضة السرلنكيات والأندونسيات تحت شعار سرلنكية لكل دوميزيل ومدام ”

    هذا الموضوع من جد خطير, بالذات للأطفال.. اسأليني أنا!! أنا من الجيل اللي أطفاله كانوا على يد العاملات الإندونيسيات.. صحيح كل اللي مروا على بيتنا (و صدقيني ما أدري كم!) كلهم كانوا طيبات, لكن الوضع في الآخر مو طبيعي.. بالمرة مو طبيعي…

    تسلمي على التدوينة الحلوة يا فتوشة ^^

  14. Rana يقول:

    و الله مو بس عندكم صار في كل بلد الله يعين.
    صار هدا الشي حتى يجيب الاكتئاب حتى للناس الراضين و القانعين بحياتهم لأنوه زي ما قلتي ما بتفتكي من حكي الناس.

  15. Rami يقول:

    شلونك فتوشة مبدعة كعادتك في نقل مشاكل المجتمع العلة كل مالها القيم عم تختفي يعني القيم الحلوة الي زرعتها الوالدة فيكي قليل ماعم نشوفها عم تندثر ماعاد في ضمير و أخلاق صاير المعيار مادي بحت عم ننوزن بعدد غرامات الدهب الي بتمثل قيمة أملاكنا اما الاخلاق القيم فصفر على الشمال نوع من السراب….
    اشتقنا لسيدة الفيروزيات انبسطت اني رجعت اقرالك
    رامي RMK

اترك رد