إنها الثالثة بعد منتصف الليل، لم أرغب هذه المرة في أن أفتعل طقساً جديداً للنهاية، رميت كتابي جانباً وبحثت عنه في خزانتي بين مجموعة من الأسطوانات القديمة التي لم استخدمها منذ زمن، ووجدته!
كان هناك منفياً في العتمة، منسياً رغم ارتباطه بطقسٍٍ قديمٍٍ عزيز، بعد ثواني قليلة كان القرص يدور يدور وأنا أدور معه، شو بحبك لما بتحكي ترسم ع شفافك ضحكة، شو بحبك لما بتبكي بتشكي وعم بتغلغل فيي..
اذكر أنني قبل أربع سنوات، وفي مثل هذه الساعة تقريباً وقبل امتحاني الأخير في الثانوية العامة فتحت المذياع وكانت هذه الأغنية تبث على الهواء، أذكر أنني كنت ضجرة للغاية لدرجة أنني بدأت أقفز كالمجنونة!، حاولت هذه المرة أن أعيد الطقس ذاته، لكنني اكتشفت بأنني كبرت إلى درجة أن الجنون قد أصبح ترفاً لا أقدر عليه.. بدلت الأسطوانة بأخرى قريبة مني وبسرعة انتقلت إلى track 12 .. وانساب اللحن شجيا موجعاً يشبهني رغم اغتراب الكلمات … مرخى على الشعر شال لي اندلى هلا هلا به بها بالجمال ، وهويت على السرير!
أخذت أتابع صوراً راحت ترتسم على السقف، ياه كم كبرت بسرعة! هل يعقل أن كل شيء قد انتهى، هل يعقل بأن تلك الصغيرة ذات المريولة الزرقاء والحذاء الأحمر قد أصبحت كبيرة إلى هذه الدرجة!
مضت عدة دقائق والأفكار تتضارب في رأسي، أوشكت على البكاء لكنني تراجعت عن الفكرة كي لا أضيع المزيد من الوقت .. وعدت إلى كتابي، مرّت الساعات القليلة المتبقية لتعلن أمي نهايتها بفنجان قهوتها، تسألني بلهجة مغرقة بالحنان: كيفها حبيبة ماما اليوم؟ ابتسم في وجهها مفتعلة السعادة .. شي عالي كتير.. لكنها تكتشف مابي بسهولة … أمي أمي ذاك السؤال يحيرني منذ زمن، كيف تستطيعين دائما سبري واكتشاف الأغوار، وكلما سألتك آتاني الجواب معتاداً، لك أنا أمك!
ارتدي ملابسي على عجل، وبينما أهمّ للبس حذائي وراء الباب تتابع أمي إرشاداتها المعتادة، أخدتي بطاقتك؟ ، أي أي أخدتها، والهوية؟ كمان أخدتها، وأقلامك؟ أي أي أخدت، أخدتي قلم احتياط .. ماما!!!!!!! طيب لا تتلبكي ، هدي حالك، وبلشي بلي بتعرفيه .. أعاتبها بابتسامة، قبلة على يدها، رضاك مموشتي، طيب اقري الفاتحة قبل ما تبلشي لا تنسي .. وتكمل فيضاً آخر من النصائح.. انسل هاربة .. خلص خلص ماما أكيد أكيد .. أجتاز الدرجات قفزاً بينما أدندن أغنية أحبها .. أقطف من مدخل البناء ياسمينتين(لهن)… ومن ثم قبلة في الهواء لأمي التي تقف على الشرفة، أذكر أنها اعتادت ذلك مذ كنت في الروضة!
أقف منتظرة ما يقلني، ويطول الانتظار، الشمس محرقة، والامتحان اقترب، أخيراً يقف لي أحدهم .. لكن الصدمة كانت كبيرة عندما فهمت بأن علي أن أركب أماماً إلى جانب سائق(المبكرو) لم أفعلها من قبل، لكن ليس لدي خيارٌ آخر إلا أن أيقظ والدي كي يقلني، لكنني، لا لا لن أقوم بذلك فهو متعب اليوم ، وركبت! كان الأمر محرجاً جداً فكل الوجوه أخذت تحملق بي على طول الطريق وكأنني ارتكبت فاحشة لا سمح الله، لكن هل هي غلطتي أم غلطة أولئك الرجال الذين يجلسون في الخلف ولم يتنازل أحدهم بأن يغير مكانه!
ووصلت، وعندما دخلت من الباب كانت الشمس قد أصبحت في أعلى السماء، رمقتها بابتسامة، وتجولت بنظراتي في جميع الأنحاء، أنها المرة الأخيرة، تغيرت أشياء كثيرة منذ دخلت إلى هنا في المرة الأولى، لقد انشأ هذا المبنى بسرعة كبيرة، اذكر أنني كنت أجلس في السنة الأولى مع أصدقائي في مكانه ونلعب لعبة (من غير كلام)!
ادخل إلى القاعة وأسلم على الجميع تقريباً، في هذا اليوم اكتشفت بأنني تعرفت على كثيرٍ من الناس هنا –لم ألحظ ذلك من قبل-، أتوقع لأصدقائي الكثير الكثير من الأسئلة، تكاد تكون في مجموعها الكتاب كله! تكوين صورة العدو بدها تجي، ويا ستي إشكالية الموضوعية اسمعي مني .. لأ مارح يجي استبيان الجزيرة أصلا كلو ما درسته، بدو يجي تبع المشكلان السلوكية، وهكذا!
يدخل المراقبون ويقطعون تنقلاتي السريعة (المتوترة) بين فقرات الكتاب، أضعه خارجاً واجلس في مكاني، تمر الساعتان سريعاً جداً رغم الآلام التي أخذت تضرب معدتي بشدة ، يبدو بأن البرد قد تمكن مني وساعد على ذلك المكيف مدار على أعلى درجاته في المدرج، لم استطع حتى أن آخذ أنفاسي في هاتين الساعتين، فقد شعرت بأنني في سباق مع الوقت، الأسئلة طويلة جداً وعليّ أن أصغر خطي كثيرا رغم أنه صغير في الأصل، حتى تكفيني الورقة، عندما أعلنت المراقبة أنه قد تبقى ثلاثة أرباع الساعة حتى نهاية الوقت لم أكن بعد قد أنهيت نصف الأسئلة، ركضت كالمجنونة لدرجة أنني شعرت بيدي قد أصابها الخدر ولا أعرف كيف استطعت أن أكتب سؤالاً كاملا في عشر دقائق فقط ، لقد كان سؤالاً مفتوحاً اخترت أن اكتب به عن الدراما التركية وأثرها على المجتمع، ضحكت كثيراً وأنا اكتب على فكاهة الأفكار التي أخذت تضرب في رأسي في وقتٍ كهذا!
وانتهى الوقت .. سلمت ورقتي وخرجت، تحدثنا كثيراً عن الأسئلة، تودعنا وبقيت أنا شذوذ، جلسنا على كرسي في الحديقة، بكت شذوذ كثيراً، تماسكت ، لم أرغب في أن انهي يومي الأخير بالبكاء، ضممتها ومسحت دموعها، وعدتها: خلص اليوم بلشنا مو خلصنا، نور نصفنا الثالث التي لن تتخرج معنا هذا الفصل لم تأتي هذا النهار، رغم أنها حاولت ، لكن مديرها في العمل لم يسمح لها .. سحقاً!
ومضينا خارجاً …إلى الفراغ.. وفي طريق العودة اكتشفت.. لم أعطي لشذا ياسمينتها!!!
اغسطس 6, 2008 عند 9:53 م |
فتوشة … اول مبارح اطمنت عليك من نور وحكتلي انو خلصت امتحان
قلتلا انو يلا بنعملكم حفلة تخرج الكن وهي السنة الجاية بضل لحالها احسن من العجئة
طريقة الكتابة كتير حلوة .. وان شاء الله الف مبروك وبتحققي كلشي ببالك …
اغسطس 6, 2008 عند 10:24 م |
كم أنت عذبة من الداخل وحساسة كتاباتك رائعة وبسيطة ومعبرة مررت بنفس التجربة منذ عدة أعوام لازال أصدقائي بقربي وكم هم كثر زملاء لي لم أعد أعلم أين أصبحوا هي الدنيا التي تشغلنا وتبعدنا
اغسطس 7, 2008 عند 10:45 ص |
جميل ومرهف ما كتبت…. يكفي أنني لم أستطع إلا أن أكمله حتى آخر كلمة … أتعلمين لن أطلب منك سوى مزيد من هكذا نص … ما رأيك بذلك …. خواطر كلما أمكنك ذلك .. ومن يدري ربما كتاب يشمل كل ما سيأتي … إن قراءة الخواطر الأدبية هي شيء ممتع بما لا يقاس … وفقك الله وان شاء الله يارب تكون النتيجة مثل ما ترغبين وزيادة ……
سلامي لك أختي
اغسطس 7, 2008 عند 2:10 م |
اي والله يا فتوشة
كأنك حكيتي يلي بقلبي
شكراً الك
الله يرحم الجنينة يلي صارت تحت العملاق الاسمنتي …
اغسطس 9, 2008 عند 7:42 ص |
رائع ما كتبتي , كم أنتظر لحظة التخرج بلهف .
اغسطس 11, 2008 عند 8:53 ص |
يعني بتخليني عاجزة عن الكلام والتعليق، الله يوفقك يا رب وتنجحي وتطلعي الاولى كمان
أكتوبر 3, 2008 عند 1:05 ص |
السلام عليكم
ايههههههههه يا أخيتي والله فتئتي جروحاتي
أعدتيني الى الوراء 20 عاما ليوم مثل يومك وذكرى تشبه ذكراكي؟؟
ولكن دعيني أقول لك شيئا واحدا لمستقبل الزمن نابع من تجربتي الشخصية
أربع سنوات بالجامعة مرت مثل لمح البصر ولكن المدهش أكثر أنني الآن بعد 20 عاما من الجامعةوالتخرج لاأدري كيف يمضي الزمن في ريتم سريع جدا لم يترك لي حتى فسحة كي أتذكر
وعندما أعد سنوات عمري ال43 أكاد لا أصدق أنني عشت كل هذه السنوات.
سبحان الله
ولكن تبين لي بعد هذا كله
أن الحياة قصيرة لا يجب أن نضيعها بالترهات
عيشي الحياة مع البسمات واتركي الهموم تنطوي مع الأيام
والسلام
أكتوبر 3, 2008 عند 1:07 ص |
والبركة بالشبابلكوية
شبابلكاوي عتيق