لماذا تركت الحصان وحيداً؟

By fatosha

كمطرقة هوى الخبر على رأسي، تلاشيت عن ما حولي لدقائق، دارت في مخيلتي إحدى أبيات قصائده”نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا” أتساءل هل أضعت كل سبل الحياة حتى تمكن منك الموت، تجيبني قصيدة أخرى ” والموت يعشق فجأة مثلي، والموت مثلي لا يحب الانتظار” يبدو بأن عشقك للأرض كان أكبر من أي شيء، لم تستطع أن تنتظر أكثر، رغِبتَ أن تضم إلى حبيبتك سريعاً، فلبى نداءك الموت وكان مثلك لا يحب الانتظار ..

لا أعلم أي صدفة تلك التي أرادت أن يلتقي تاريخ بداية أسبوع التدوين الدمشقي، مع تاريخ وفاتك، فقد خططت أن أدرج قصيدتك التي كتبتها عن دمشق في هذه المناسبة .. فغبت أنت، وبقيت القصيدة ..

في دمشق
تطير الحمامات
خلف سياج الحرير
اثنين .. اثنين

في دمشق
أرى لغتي كلها
على حبة القمح مكتوبة بإبرة أنثى
ينقحها حجل الرافدين

في دمشق
تطرز اسماء خيل العرب من الجاهلية
حتى القيامة او بعدها
بخيوط الذهب

في دمشق
تسير السماء على الطرقات القديمة
حافية.. حافية
فما حاجة الشعراء الى الوحي والوزن والقافية

في دمشق
ينام الغريب على ظله واقفا مثل مئذنة في سرير الأبد
لا يحن الى بلد
او احد

في دمشق
يواصل فعل المضارع أشغاله الاموية
نمشي الى غدنا واثقين من الشمس في أمسنا
نحن والابدية
سكان هذا البلد

في دمشق
تدور الحوارات بين الكمنجة و العود حول
سؤال الوجود وحول النهايات
من قتلت عاشقا مارقا فلها سدرة المنتهى

في دمشق
يقطع يوسف بالناي اضلعه لا لشيء
سوى انه لم يجد قلبه معه

في دمشق
يعود الكلام الى اصله الماء
لا الشعر شعر .. ولا النثر نثر
و انتي تقولين لن ادعك
فخذني اليك و خذني معك

في دمشق
ينام غزال الى جانب امراة في سرير الندى
فتخلع فستانها و تغطي به بردى

في دمشق
تنقر عصفورة ما تركت من القمح فوق يدي
و تترك لي حبة لتريني غدا غدي

في دمشق
تداعبني الياسمينة لا تبتعد
و امشي في اثري
فتغار الحديقة لا تقترب من دم الليل في قمري

في دمشق
اسامر حلمي الخفيف على زهرة اللوز يضحك
كن واقعيا لازهر ثانية حول ماء اسمها
وكن واقعيا لاعبر في حلمها

في دمشق
اعرف نفسي على نفسها
ههنا-تحت عينين لوزيتين نطير معا
توامين و نرجيء ماضينا المشترك

في دمشق
يرق الكلام فاسمع صوت دم
في بروق الرخام
اختطفني من ابني تقول السجينة لي
او تحجر معي

في دمشق
اعد ضلوعي و ارجع قلبي الى خببه
لعل التي ادخلتني الى ظللها قتلتني
و لم انتبه

في دمشق
تعيد الغريبة هودجها الى القافلة
لن اعود الى خيمتي لن اعلق جيتارتي
بعد هذا المساء على تينة العائلة

في دمشق
تشف القصائد لاهي فضية
و لا هي ذهبية
انها ما يقول الصدى للصدى

في دمشق
تجف السحابة عصرا فتحفر بئرا
لصيف المحبين في سفح قاسيون
و الناي يكمل عاداته
في الحنين الى ما هو الان فيه
و يبكي سدى

في دمشق
ادون في دفتر امراة
كل ما فيك من نرجس يشتهيك
و لا سور حولك يحميك من ليل
فتنتك الزائدة

في دمشق
يغني المسافر في سره .. و لا اعود من الشام
حيا و لا ميتا
بل سحابا يخفف عبء الفراشة
عن روحي الشاردة

محمود درويش

مصدر القصيدة مانوليا

8 تعليقات إلى “لماذا تركت الحصان وحيداً؟”

  1. shamekh يقول:

    في دمشق
    تغرد العصافير : أهلاً يا غريب
    حللت بالدار وفداك ساكنيها
    يقول الغريب خجلاً : عذراً فلست لوحدي
    أتى معي الحبيب .
    ترد العصافير : فداكما الدار وساكنيها يا غريب ويا حبيب

    رحمة الله عليه .

  2. عطاالله يقول:

    أشعر بغصة في حلقي كلما قرأت خبر وفاته مراراً مراراً …. هؤلاء الذين يرحلون دون أن يأتي شخص ما ليعوضنا ولو قليلاً عنهم …. أولئك المميزون الذين يمتزجون بالوطن ويفقدون أجسادهم ويتحولون الى قيمة وتراث وألم …. لقد رحل وذكرنا بتلك العزيزة الراحلة عنا هي الأخرى ….
    مع احترامي وتشجيعي الدائم لك أختي
    سلامي لك

  3. Salam يقول:

    ( قل للغياب نقصتني وأنا حضرت لأكملك )

    رحمك الله يا درويش ,,, ستكون حاضراً دائما في قلوب عشاق الحرية ..

    :( :(

  4. max13 يقول:

    رائعة

    رحم الله الشاعر

  5. مهند يقول:

    الله يرحم ترابك يا محمود درويش

  6. fatosha يقول:

    شامخ:

    أهلا بكل الزوار في دمشق -لن أقول الغرباء!-

    رحم الله درويش

    ——————————

    عطا الله:

    الشعراء لا يموتون ، درويش رحل بوجوده المادي الفيزيولوجي، لكنه باقي بيننا، كثير من الشعراء رحلوا لكنهم باقين بيننا ..

    ——————————–

    سلام:

    بعد أن امتلأ بكل أسباب الرحيل، كان ليس له … ورحل!

    رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته

    ——————————-

    محمد:

    آمين، شكرا لمرورك

    —————————-

    مهند:

    يا أهلا فيك … الله يرحموا ويرحمنا أجمعين

  7. kazo يقول:

    عندي صورة قبر محمود درويش اخذتها في زيارتي الاخيره (شهر اغسطس اب) لرامالله…راسلوني

  8. ديانا يقول:

    ريد سنة نشر هذه القصيدة

اترك رد