لم أتوقع يوماً ما بأنني قد أتمكن من قراءة كتاب ما بغير الطريقة التقليدية التي تعودتها دائماً، أو بالأحرى لم يخطر في بالي أصلاً بأن يكون هناك طريقة أخرى!!!
كنت أستلقي دائماً في مكان مريح أو بالأحرى وثير، أرّفع الكتاب فوق رأسي وأقفز بين صفحاته باستمتاع بكلتا عيني .. لم أتخيل يوماً بأن رواية قد تقع بين يدي ستجبرني على استعمال حاسة أخرى مختلفة عن حاسة البصر في قراءتها ..
عند قراءتي رواية العطر لباتريك زوسكيند كنت مضطرة لفعل ذلك!
كانت أرّنبة أنفي عند وصف باتريك لأي رائحة تبدأ بالرقص على اللحن (الروائحي)، وتحاول استحضار الرائحة مهما كانت ساحرة أو حتى مقرفة ..
طوال عمري لم تكن علاقتي بالروائح سطحية، وكنت دائماً أحاول الاستمتاع بالروائح ككل شيء بالحياة، حتى أنه كان لي نظرية غريبة متعلقة بالروائح – قد أحدثكم عنها لاحقاً – لكن أن يتحول الأمر إلى شيء شبيه بالإدمان، هذا ما لم أتوقعه!
كل شيء في العطر قائم تحت تأثير الروائح، نحن نحب، نكره، نخاف، نشفق فقط بأمر من العطر، من كان عطره الجسدي جميل نحبه ومن كان بعطره درويش نشفق عليه، ومن بدا لنا عطره قوياً نخافه ونهابه!!
العطر في رواية العطر كان يحمل معاني بشعة، غرنوي – بطل الرواية – رجل يملّك حاسة شم خارقة ورغم ذلك فهو رجل بلا رائحة!!
غرنوي كان يكره هذا الأمر الذي فيه جداً لأسباب كثيرة وأهمها بأن الناس كانوا لا يشعرون بوجوده أبداً، بل حتى أنهم كانوا يصطدمون به في الطريق ويصابون بالذعر من كونهم اصطدموا بشيء لم يتوقعوا وجوده أبداً!
لذلك قررّ غرنوي صنع رائحة بشرية خاصة به وتمكن من ذلك بالفعل بعد أن خلط عدة أشياء مقرفة مع بعضها، تجمل غرنوي برائحته المزيفة، وضع قناعه العطري ومشى بين الناس، فأصبح الناس يعاملونه بشكل طبيعي..
هنا توقفت قليلاً أو بالأحرى كثيراً .. كان بلا رائحة صادقاً .. فخافه الناس لأنه مختلف عنهم، وضع قناعه العطري وأصبح يشبههم قابلوه بالمودة وبالمعاملة الحسنة ..هل من المعقول ” أن تكون حقيقياً” مرعب إلى هذا الحدّ، وهل علينا لكي نكون مقبولين اجتماعياً أن نكذب!
نحن نقتل الزهرة لنأخذ عطرها ونتجمل به، أي العطر هو نتيجة لسلسلة من عمليات القتل والسرقة والكذب!!!!
رواية العطر علمتني أن الياسمين لا يرضى العنف ولا يقبل أبداً أن يستخرج عطره بهمجية، يحب أن يموت بسلام وبطريقة راقية جداً، ترى هل نحن بالفعل من نفرض طريقة معاملة الآخرين لنا؟!
العطر علمتني كذلك أن للعطر معاني جميلة أيضاً، وأن للفن أشكال عديدة قد لا تقتصر على رسم اللوحات التشكيلية لأشياء مجردة، فالعطر بحد ذاته فن أيضاً خصوصاً إن تواجد شخص كغرنوي قادر على أن يختزل عبق كرم زيتون بقطرة!
غرنوي علمني أن للعزلة أمكنتها في حياتنا، أنها فترة نحتاجها لترتيب أفكارنا لكن عندما يحين وقت العمل، يجب أن نرفض قطعاً العودة إلى الانغلاق…
على مدار العطر كنت أرى العدالة متجسدة في كل الأماكن، كان كل من يعامل غرنوي المسكين بقسوة ويحاول استغلاله ينال عقاباً عادلاً وغالباً يموت بطريقة بشعة، لكن عندما تحول غرنوي إلى شخص سيء بكل معنى الكلمة، -قاتل- توقعت من العدالة أن تأخذ مسارها، لكن عندما أفلت غرنوي من حكم الإعدام – باستخدام العطر- شعرت بالقرف والغثيان ،إلا أن باتريك لم يخيب أملي كثيراً وأخرجني من حالتي تلك عندما كتب لغرنوي نهاية بشعة جداً وصل غرنوي لها بإرادته هو، هذا ما دفعه لتأكيد نظرية دوستوفيسكي بأن الجريمة هي العقاب بحد ذاتها، حتى ولو كانت المواقف مختلفة…
ياي أخيراً هلأ صار فيني اقرأ تدوينة الأخ محمد، من الساعة واحدة بليل مبارح عم غض بصري عنها، مشان ما تأثر على يلي بدي أكتبه ..(يا ترى في شي مشترك؟ .. رح شوف هلأ ) ..
تحديث:
بصراحة بعد أن قرأت تدوينة أنس عن الرواية، شككت في نفسي وبالنظرة التي أتخذتها عن النهاية يبدو أن أنس محق أكثر مني، غرنوي عندما انتهى بإرادته، انتهى لأنه انتهى من تحقيق هدفه، ففرغت حياته من معناها، لكن حتماً بطريقة ما غرنوي قد نال عقابه بالموت تحت أضراس أكلة لحوم البشر حتى وإن كان ذلك بإرادته!
لمزيد من العطر تابع:
أراكة عبد العزيز – بعض الرذاذ من العطر
نوفمبر 7, 2008 عند 5:05 م |
كل من قرأ هذه الرواية, و أنا أشارك بهذا الرأي لأنني أحسست بذلك, قال لي أنه قضى الأيام التالية لقراءة رائعة باتريس سسكند و هو مهووس بالروائح…
تحياتي.. و بانتظار الرحلات التالية مع كتب و روايات أخرى
نوفمبر 7, 2008 عند 7:04 م |
فعلاً فتوشة .. العطر من أثمن الروايات في المكتبة الأدبية والانسانية ، ” الإنسانية” التفاصيل الممهورة بالعبق والعبير تعيد تكوين عاداتنا تجاه الأشياء من جهة أخرى هي الرائحة ، حتى تلك التي نعتقد أنها بلا رائحة أو تحمل سمة واحدة من العبير ، بعد الرواية صار بإمكاننا اجتزاء الروائح والغوص في رحلة اكتشافها بمعطياتها الأثيرية الأولية . أما الناحية ” الأدبية” فالرواية تنطق بالفكرة رغم صعوبتها ، استطاع زوسكنيد أن يحملّ النص مادية فكرته أي جسّد الفكرة بأن بدأ القارئ يتحسس المرادفات ضمن الموروث في الذاكرة عن الروائح التي يقرأ عنها حتى تلك التي تتحدث عن البيئة الباريسية القذرة .
ما أختلف معك فيه فتوشة هو أن غرنواي لم يكن “مجرماً ” وإن كان “قاتلاً”، وكما أني ولا أعتقد أن زوسكنيد بحث بالنهاية التي انتهى عليها غرانوي عن عقاب .. ماهية غرنواي يصعب تحديدها برأيي بشقها ( الشرير أو الخيّر) تماماً كما هو كان عاجزٌ عن شم نفسه ..
الآن عليكِ بحضور الفيلم …
نوفمبر 7, 2008 عند 8:33 م |
تحياتي
قرأتم الرواية يجب اذا ان تشاهدوا الفيلم ..لا يقل روعة عن الرواية .
تحياتي
نوفمبر 7, 2008 عند 8:46 م |
حاولت في تدوينتي عدم الغوص في تفاصيل الروايه أردت أن تبقى متعة أي قارئ تستفذه كلماتي موجودة لدى رغبته في قراءتها
مدونتك عن الرواية ممتازة وهي تحليل عميق لسطورها
العطر عمل ناجح جدا للكاتب باترك
اتمنى أن ننتقل قريبا لرواية جديدة اترك اختيارها لكم
دمتي بخير
نوفمبر 7, 2008 عند 10:20 م |
المشكلة أني شاهدت الفيلم
حتى لو كان قاصراً عن الرواية و لكن بت أعرف التفاصيل قليلاً
على كلٍ
أوافق الأخ محمد أن غرونوي عندما اختار نهايته بيده كان ذلك لأنه حقق حلمه الذي دأب إليه و فعل ما فعله لأجله و باتت حياته دون معنى فما كان يعيش و يجاهد لأجله حققه و لا يمكن أن يحقق أكثر منه ….
نوفمبر 7, 2008 عند 11:30 م |
المعاني التي أضافتها الرواية كثيرة جداً …
معنى لكل من يمر على ضفاف الذاكرة .. يترك أثراً ورائحة …
نذكر الأثر وننسى الرائحة …
–
مشان موضوع الكتاب التالي …
شو رأيكون بكتاب العادات السبعة للأشخاص الأكثر فعالية لستيفين كوفري …
كتاب مناسب جداً ومحفز جداً … وعندي فكرة مسبقة عنه وأعتقد أنكِ ستوافقيني على الكتاب !!!
وبالنسبة لنادي الكتاب … لنوّحد مدونة للنقاش من خلالها حول موضوع نادي الكتاب …
نوفمبر 8, 2008 عند 1:25 ص |
فتوشة ذكرت نقطة حساسة لدرجة .. العطر هم المتحكم بالاشياء .. نحن نقترب نبتعد نضم ونعشق بالعطر ..
العطر والرائجة ينعشان الذاكرة ..
فكرة موته وأنه تلقى العقاب معك الحق فيها كما هو مع انس في انه لم يعد للحياة طعم..
لكن هم في النهاية اكلوا العطر وليس غرنوي بحد ذاته …
لا اخفي عليك كانت النهاية بالنسبة لي صدمة .. يعني توقعت يرجع لعزلتو … أو يغرّق حالو بالمي !! بس انو ياكلوه .!!!!
……………
فتوشة عم تابع المقلاية والروايح اللي هافه كتييييييييييير طيبة يميييييييي … اجوبتك حلوة وشفافيتك وصدقك ما بيضعوا عن حدا
نوفمبر 8, 2008 عند 1:26 ص |
حاليا بين يدي \ الأيام \ للمبدع طه حسين
سأدرج \ العطر \ على اللائحة بعد هذه التوصيات
نوفمبر 8, 2008 عند 9:21 ص |
مرحب فتوشة . . بتصور لازمك العطر هاليومين كتير مشان تخلصي من ريحة الزيت واللزي منه
فكرة حلوة تناول رواية او كتاب من قبل عدة مدونين لابداء وجهات نظرهم فيه/ا
نوفمبر 8, 2008 عند 11:23 ص |
أول شي خيلتوني .. لهلأ ما لي عرفان عند مين بدي علق ..
بس برافو عليكم .. مشاركة القراءة فكرة حلوة كثير .. يا ريتني انتبهت لهذا الموضوع أكثر ..
لهلأ للأسف ما شفت الفلم .. بس اليوم ما رح نا مختى شوفو .. وكتير مبسوط إني فهمت الرواية .. لأني رح قارنها مع الفلم ..
نوفمبر 8, 2008 عند 11:23 ص |
أول شي خيلتوني .. لهلأ ما لي عرفان عند مين بدي علق ..
بس برافو عليكم .. مشاركة القراءة فكرة حلوة كثير .. يا ريتني انتبهت لهذا الموضوع أكثر ..
لهلأ للأسف ما شفت الفلم .. بس اليوم ما رح نام حتى شوفو .. وكتير مبسوط إني فهمت الرواية .. لأني رح قارنها مع الفلم ..
نوفمبر 8, 2008 عند 1:25 م |
جميل جداً وصفك للرواية…
أكيد هو اوفى من التلخيص الذي قرأته يوماً ما…
كاتب التلخيص الأول لم يرَ ما رأيته أنتِ…
الآن اعتقد ان الرواية تستحق القراءة
شكراً لكِ فتوشة…
نوفمبر 8, 2008 عند 6:53 م |
لست في الـ mood الذي يسمح بالتعليق على الرواية و إن كان تحليلك الرائع يشجعني كثيرا لقراءتها.
أردتُ فقط القول بأن أجوبتك الخارجة من المقلاة أعجبتني. أتمنى لك مستقبلا باهرا.
نوفمبر 8, 2008 عند 7:45 م |
ماشاء الله ..
قراءة جميلة يا فتـوشة .. تظهر أن العطر تغلغل فيكِ حتى النخاع ..
أعتقد أن التربية الناقصة التي عاني منها غرينوي .. كانت أهم شبب لنشوءه هكذا ” قاتلاً ” أقصد
ففي العرب كانوا يقولون : كل ذي عاهة جبار .. وأعتقد أن غرينوي نشأ على هذا الأساس ..
شكراً لك يا فتوشة
نوفمبر 10, 2008 عند 2:01 م |
شريت الرواية وقرأت أسطرها الأولى لكن لم أتشجع بقرائتها خصوصا أنها تتكلم عن آكل بشر .. قد أعود إليها مجددا .. سلمت يداك على المدونة الجميلة
نوفمبر 11, 2008 عند 10:32 ص |
تفرجت على الفيلم بس ماقريت الرواية لسه
ابغى انسى الاحداث شوية عشان استمتع بكل
تفاصيلها
سمعت انه الرواية احلى كثير من الفيلم
فكيف راح تكون شكلها راح تاسرني
تحياتي
نوفمبر 12, 2008 عند 3:51 م |
syriangavroche :
إلى اليوم ما زلت أشعر بالروائح متغلغلة في تلافيف مخي، ولا تحتاج إلا لمحفز بسيط حتى تتم استعادتها..
سعيدة بزيارتك
—————————–
أروى:
أعجبني رأيك بخصوص أنه لم يعرف نفسه إن كان خير أو شر، فهو نفسه لم يكن يشم نفسه، معنى جميل لم ألاحظه..
سأبحث عن الفيلم، وحال ما سأجده سأشاهده حالاً..
ممم صديقتي لمرورك رائحة خشب الزيتون الممتزج برائحة مطر بدأ بالسقوط..
شميتي الريحة ..؟ سعيدة بك أكثر مما أستطيع الوصف
—————————–
لورد:
شكراً لنصيحتك، سأحاول حالما أجد الفيلم..
—————————
محمد:
يبدو بأنني أفسدت متعة القراءة، لكن لا متعة بالقراءة دون تحليل السطور
سعيدة بكم وبالتجربة
مهند:
لكن العدالة الإلهية تحققت بطريقة أو بأخرى حتى لو كانت النهاية بإرادته..
انصحك بقراءة الروتية، سعيدة بمرورك هنا..
———————————
إنسان:
الروائح الجميلة تترك أثراً وأي أثر .. لا يختفي بسهولة .. أووووه لابد من إعادة التنظيف (وش متأثر بالإعلانات السورية)
مبسوطة كتير بنادي الكتاب يلي تم تأسيسه، على الأقل الواحد بيجبر نفسه على إنهاء الكتاب بمدة قصيرة،حتى لو لم يستمتع به..
يلا هه بعد شوي رح بلش بالأرجوحة..
سعيدة بك هون وبالمقلاية
———————-
فروح :
ما تواخذيني إني ما عم شارك بالحارة التانية، هلأ في كمشة اقتراحات استلقيها
بس طيب أنتي بتتوقعي أنو العدالة الإلهية ما الفروض تجد طريقها؟!! حتى لو هو نقى نهايته بس بالنهاية هي النهاية بشعة كتير..
تصوري بعد كل هاد وبيطالعوا إشاعات على أنو في دبلوماسية بالموضوع .. تخيلي!
الله وكيلك انسلخ جلدي بالمقلاية
—————–
ناسداك:
——————-
عبد السلام:
أهلين شيفي، أنو زيت وأنو سمنة، ريحة القلي معبية تعباية فيني.. جربت كل أنواع الشفطات ومعطرات الجو ومزيلات الروائح ولا في مجال..
شو رأيك تشاركنا بالكتاب الجاية، اخترنا الأرجوحة لمحمد الماغوط
——————–
مستر بلوند:
ما صار شي المرات الجاية كتيرة شو رأيك تشاركنا بالكتاب الجاية-الأرجوحة لمحمد لماغوط
ممم حاول تقرا العطر مرة تانية
، وانسى الفيلم..
———————–
ماريا:
أتمنى أن تقرأيها وتخبريني برأيك..
سعيدة جداً بزياراتك
———————————
عوني:
سعيدة جداً بمتابعتك لمقلاتي، أنصحك بقراءة الرواية بقوة
——————————-
أراكة:
أهلاً بكِ صديقتي سعيدة جداً بالتجربة معكم..
صحيح ما ذكرتيه، فاقد الشيء لا يعطيه، ماذا علينا أن نتوقع من شخص كغرنوي عاش بقسوة كبيرة
سأبدأ بعد قليل بكتابنا الجديد
———————————
أفلاطونية:
من أخبرك أنه آكل بشر؟ البطل سلم نفسه في نهاية الرواية لآكلي البشر لكنه ليس آكل بشر ..
انصحك بإكمالها
.. سعيدة بك
———————————
Lady Ashe:
للأسف إلى اليوم لم أرى الفيلم لكن دائماً تكون الروايات أفضل من الأفلام لأن المخرج هو خيالك، والمشاهد مرسومة على مزاجك وغير محددة بأفق أو حواجز..
بس تقريها خبرينا عن رأيك.. أهلا بك