بين الحب والوطن، بين الذل والشجاعة .. أرجوحة!

By fatosha

” لأجلك أحني عنقي كالخيط أمام أبر المنفى، بك ارتفع وبك أهوي كرجل على حبال الأرجوحة، ولذلك ما قد تراه في القمة قد أراه في الحضيض، وما أراه في الحضيض قد تراه في القمة، هكذا أريدك أميراً عارياً ومذعوراً تحت ثلج الحرية ونار الاستقلال مجتازاً جبال الألم، مكباً على وجهك كالطفل أمام الطابة الهاربة”

تماماً هكذا كنت أشعر وأنا أغوص في جنبات الأرجوحة، كنت أشعر بأنني حقاً أعتلي أرجوحة، لحظة أرتفع للأعلى للأعلى ولحظة أخرى أهوي للأسفل للأسفل، لحظة أعتقد بأن خيوط اللعبة ستحل بقوة الحب، ولحظة أخرى أظن بأن الطواغيت لا تفهم إلا بلغة السياط، لحظة كنت أرى المحققين جناة مجرمون ولحظة أخرى أراهم مساكين أكثر من أولئك الذين يعذبوهم!

إن اسمها صغير كالفراشة، قاتل كرأسٍ أغبر .. “غيمة”، وهو قروي حزين لا تزال رائحة العنب والتلال الجرداء متخمرة في شعره..

امتحنته ذات ليلة تخفي وطلبت منه أن يشتري لها قيثارة، قال لها أن ما يملكه من نقود لا يكفي، هربت غيمة حينما ذهب ليحضر لها من المطبخ كأس ماء، انصرفت حزينة محنية الرأس كزهرة.. لحق بها دون أن يكترث بكونه ملاحق .. مشى في الطرقات بين أكداسٍ من اللحوم البشرية والشفاه القاسية التي تنادي “بالحرية”

إلى هذه الدرجة يجعل منا الحب “مجانين ” بكل ما للكلمة من معنى؟ أحقاً ضياع النبض عن شرياننا أهون بألف مرة من ضياع قلب نبض ذات ليلة لأجلنا؟

ضاعت غيمة وهجرت أفريقيته، وعاد هو إلى رعب وحدته، أن تكون وحيداً في صحراء لهو شيء مقبول وطبيعي، ولكن أن تكون وحيداً بين الملايين لهو الإرهاب اللاذع الحقيقي .. ولكن إلى متى؟ كان يختنق .. كان بحاجة إلى فضاء واسع للسعال .. لذلك قرر أن يرتمي مباشرة على قدره الجبان وكان على ثقة تامة بأن العين بإمكانها لا أن تجابه مخرزاً واحداً فحسب بل عشرين مخرزاً إذا كانت العين لا يهمها على الإطلاق أن تبصر الأشياء المحيطة بها..

وسلم نفسه!

كيف بإمكان هذا الشغف العبثي أن ينتهي من فوضى حياتنا بتلك السهولة؟ نظن باستعجالنا الطائش بأن كل طاقات النور قد خبت إلى ما لا نهاية.. نمضي بلا مبالاة إلى حبل المشنقة، مادين ألسنتنا في وجه كل من يقول…”بكرة أحلى”.. مستهزئين من كل ما كان يمثل لنا “البعبع الأعظم”… وما الفائدة حياة تمضيها هارباً  مختبئاً في الظلام !

“كن كما يريدون يا ابني .. انحني ، إنك كالخيزران ستنتصب ذات يوم ” كانت أمه  تستجديه دائماً وكان يتمتم في نفسه:” لا يا أمي لا الركبة المنثنية ولا الغناء قرب الموقد يستطيعان أن يساويا بين الحجر والعصفور”..

كان “فهد” يقدر قيمة أن تبقى منتصباً في وجه الريح، بقي صامداً صامتاً في غرف التعذيب وتحت سياط الوجع .. وكان بكل استهزاء يتمتم ” لقد طار العصفور الأزرق، لقد نامت الفراشة على حافة المصباح… ولم تحترق لأن النار كانت خابية والرياح تولول” كان معذبوه يضحكون ظناً منهم بأنه مجنون .. ولم يعرفوا للحظة بأنهم هم المغفلون لأنهم لم يدركوا معنى كلماته، ولأنهم لم يدركوا أبداً بأن فهد انتصر عليهم بالصمت فقط ..!

وأخيراً اعترف فهد، أخيراً أخبرهم عن تلك الآلة التي تقد مضاجعهم والتي ما فتئوا يسألونه عنها ، ولكن لا بانهزام ، لا بانصياع أو ارتجاف كان جريئاً . لا يخاف، يطلب البقاء في السجن إلى الأبد!

وهل عرفتم يا أصدقائي ما كانت هذه الآلة؟ لقد كان أرنباً صغيراً يلهو به مع طفلٍ صغير يأتي من الجوار..

كم هم جبناء حقاً، أيستطيع أرنب صغير أن يخيف أصحاب السياط والبنادق؟أم أنهم يخافون من أن يقفز في وجوههم ذات يوم معلناً ولادة جيل جديد قادر على التحدي وصرع كل الظلام..

ذاق فهد ما لا يطاق في غرف التعذيب لسبب هام ومصيري، أتدرون ماذا؟ لأنه كان ضد الشعب، هكذا كان يقال… لم تكن أم فهد تعرف من هم الشعب يوم قيل لها ذلك، لكن أبو سليم ذلك القروي الذي ينتظر موسم الحصاد وقطاف السنابل بلهفة طار بسرعة البرق ليخبر أبو فهد عن ما سمعه من الرجل الذي يجلس داخل المذياع، نعم نعم لأول مرة يعرف بأن الشعب هو هم أي العمال والفلاحين .. بالمناسبة أبو سليم أيضاً قيد إلى السجن لاحقاً لأنه شتم الشعب،والبدوي ذو الجدائل والفم الفاغر قيد إلى هناك أيضاً لكنه نسي حقاً لماذا!

كانت الساعات في العنبر تمضي ببطء قاتل، لا يقطعها إلا مشاجرات قصيرة بين المثقف المعتوه الذي يمثل في شخصه المثال الحقيقي للذل والخنوع والاستسلام وفهد الذي كان يعتقد بأن كل آلام العالم متصلة مع بعضها كالغيوم وأن العدالة التي تشمل الجميع وتستثني فرداً واحداً ولو في مجاهل الاسكيمو هي عدالة رأسها الظلم وذيلها الإرهاب..

ولنعد إلى “غيمة” تلك العاشقة التي كانت خارجاً تغزو العالم بصوتها الرفيع، كانت تحاول بشتى الطرق أن تنقذ حبيبها فهد.. كانت تمشي في الطرقات تسأل عفواً سيدي هل تعرف أحد أو هل تعرف أحد يعرف أحد؟ .. دارت على كل أصدقائه، دقت كل الأبواب دون أن تسمع صدى اللهم إلا بعض النصائح في أن ترى طريقة تمكنها من أن تشفى من حبها بسرعة..

وبعد عام من المحاولات يئست غيمة وقبل أن تعود إلى قريتها زارت منجمة كي تخبرها عن مصير فهد، خرجت  غيمة من عند المنجمة مصدومة مضطربة هائمة على وجهها لحظة ما جعلتها تدرك بأن كل من نحبهم وكل من يحبوننا .. كل ما نناضل لأجله .. مصيره الموت، وسيأتي يوم نصبح غير قادرين فيه على الابتسام حتى.. ولا فائدة من كل هذا!

خرج فهد أخيراً من بين أيادي سجانيه .. ومضى محاولاً أن يري للشعب ندوبه كي يعرفوا معنى الألم والحرية.. رغب لحظة أن يرقد على هضبة قريبة من السماء ليناجي حبيبته والوطن، لكن حبيبته نائمة والوطن يشخر وعليه هو وحده أن يبقى مستيقظاً  ككلب حراسة لهذا الشرق الذليل…

تمت ولا أعرف ماذا علي أن أقول، تمت ولازال الجميع ذليل، تمت ولا أعرف لما لم ينهض أولئك السجناء، لما لم يقاربوا الأيادي ولما لم يجمعوا القوى كي يدوسوا بأرجلهم أولئك الرجال الجبناء… لك بعمرها الحبوس ما ساعت كل الناس!

روابط ذات صلة:

أرجوحة الماغوط – محمد

عندما تأرجحت إنسانيتنا مع أرجوحة الماغوط – أنس

قمنا عن الأرجوحة – آراكة

الأرجوحة .. الماغوط يهزنا بعنف – فرح

محمد الماغوط .. العبقرية الفذة – مستر بلوند

عندما يتشارك المدوّنون .. أرجوحة! – ندوة المدوّن

الأوسمة: , , , , , ,

11 تعليقات إلى “بين الحب والوطن، بين الذل والشجاعة .. أرجوحة!”

  1. إنسان يقول:

    كانت هذه الرواية …
    من كثرة ما تحمله من حزن وهم …

    أحسستها ثقيلة …
    وثقيلة جداً …

    الرواية كانت وجبة دسمة … وطوال أسبوعين …

    أجزم أنني احتاج لقراءتها مرتين و3 …
    وفي كل مرة سأجد أشياء جديدة …

  2. genin2002 يقول:

    شوفي يا سيدتي قررت انضم لعصابتكم انت وفروحه و القراء الاخرين وخاصه انه قراءة روايه للماغوطي مغريه كتير
    بلشت باول صفحه والثانيه وصار الامر صعب علي كثير لانه القراءه مزعجه على الكمبيوتر
    ما بتحسي بلذة القراءه ورائحة الكتاب اضافه انه كلمات الكاتب تحمل معاني عميقه وكثيره وبدك وقت لتخترقي عقله وقلبه وتقهمي يلي بيقصده شوفي هل تعبير قمل الاوسمه يعني صرعني صرع هل تعبير فقررت قرار ثاني اني اسحب الكتاب على البرنتر اكيد لانه الحصول على كتاب هون صعب كثير فشو رايك بهل فكره
    متاخره بعرف بس شو بدي اعمل عصابه ما بينرفضلها امر ا كل الشغلات الحلوه بتعلمك ياها

  3. gabriel يقول:

    اشعر بدفئ الكلمات وانا اقرأها
    ابشع مافي الانسان
    عندما يشعر بتغير كل شيء من حوله
    عندها لا يستطيع تمييز الامور
    انا من يتحرك ام انا الثابت وكل شيء يتغير من حولي ؟!
    ام ببساطة
    انا جالس على الارجوحة !!!

    تحية لقلمك ..

  4. max13 يقول:

    طبعا ما يخالجني من تعابير …. يكاد لا ينفصل أبدا عن مستوى التدوين هنا فتوشة من قرأ الرواية شعر ولوهلة بحنين ممزوج بغضب لماض رغم كل مافيه من مشاق وصعاب إلا أنه يحمل بين طياته بذار أمل لبناء أمة الماغوط مبدع بأقل تقدير ولا يحتاج لشاهدتي أو أي شهادة تدوينتك رائعة أيضا دمت بخير وعسى في الكتاب الجديد أن يكون لنا لقاء

  5. farah m يقول:

    ربما لانهم في السجن ..
    ربما لانهم لم يفقهوا ما معنى الحرية من قبل ..
    ربما لأنهم يحملون كرها دفيناً ما بين البدوي وابن الريف والمدينة واللص والمثقف

    لا أعرف لماذا ولكن لا بدّ ان يستجيب القدر إذا الشعب أراد الحياة

    شكراً فتوشة .. تقاربنا ولو قليلاً هذه المرة .. :)

  6. fatosha يقول:

    أنس:

    وأنا أيضاً أشعر بأنني أحتاج قراءتها أكثر من 10 مرات حتى أحدد موقفي منها!

    سعيدة جداً بمشاركتكم القراءة

    ————————-

    genin2002:

    مممم هي معك حق القراءة ع الكمبيوتر مو متعة قد القراءة بالكتاب، بس التكنولوجيا عم تعملنا إغراءات كبيرة مافينا نتجاهلها.. أنو تحصلي على الكتاب ببيتك بلا ما تنزلي دوري عليه بالمكتبات أمر مغري حقاً..

    هالمرة ما زبطت معك ، شوي شوي بتتعودي..

    بانتظارك بالكتاب القادم :)

    ——————————————

    غابرييل:

    تعليق رائع بالفعل، ربما هذا ما قصده الماغوط بالضبط .. الأرجوحة..

    وتحية لك..

    ————————————-

    محمد:

    حنين لازم يكون لقدام يا محمد، لازن نطمح نحقق أكتر وأكتر..

    سعيدة بمشاركتك بقراءة الرواية .. ويلا أكيد إلنا لقاء بإذن الله

    فرح:

    ولابد لليل أن ينتهي .. ولابد للطوق أن ينكسر

    بينكسر شي يوم لك فروح ..إلا ما ينكسر

    شايفة مزبوط هالمرة نقاط الالتقاء أكبر

  7. اقصو صه يقول:

    جميل جدا هذا المحتوى

    اسجل اعجابي بما قرات

  8. mn zaman يقول:

    كالعادة … لا أخفي إعجابي برويئتك لما تقرأيين
    لكي نظرة مختلفة … تجعل القصة سعيدة بمجرد قرائتكِ لها

    لم إنهي قراءة الإرجواحة بعد

    سأدلي برأي عندما يترك لي الوقت فسحةً للإرجوحة

  9. shamekh يقول:

    مع كل هذه القسوة والجبروت التي نراها في أعين السجانين , قد تمر بعض اللحظات القليلة في التاريخ بأن تحن قلوبهم وتفهم معنى الإنسانية , وأنا شاهد على ذلك .

  10. ناسداك يقول:

    يبقى الماغوط منارة في بحر الإبداع الأدبي

    ولتفردوا مساحة لـ ” سأخون وطني ” …. رائعة بحق

    جميل هذا التلخيص وهكذا عادت لي ذكريات قرائتي الأولى لها

  11. شامي يقول:

    والله يا فتوشة مدونتك حلوة كتير ولسوء الحظ لليوم لعرفتها
    عجبوني كتير مقالاتك خاصة الة الزمن -كابة ما بعد التخرج- بوعدك افتح المدونة كل يوم لحد ما يحجبوها
    تقبلي تحياتي

اترك رد