“هربت ..” صرخت أم فواز بعد أن أفرغت ما في جعبة صدرها من أنفاس محاولة البحث عنها في كل أرجاء المنزل ..
“هربت؟ ….” سألت أم سعيد محاولة رفع فكها المنزلق عن مكانه بصعوبة!
“هربت..” همست سلمى لجارتها ربى مع ضحكة صفراوية لاحت على الشفتين..
“هربت .. تلك الكلبة مرغت وجهنا في التراب ، سأسلخ جلدها عن عظمها، سأحطمها بين أضراسي، سأفقع عينها بأصابعي، سأهرسها، سأشويها … سأرميها للذئاب .. ، لا بد أن أغسل شرفنا الذي دنسته بفعلتها تلك الحقيرة.. سأمحوها عن وجـ ـ ـ ـ ….. “
قال ذلك ممسكاً بسكين سحبها من المطبخ واتجه نحو الباب مسرعاً وغاب .. وغاب معه الصوت في الأفق..
كان يحث الخطى وملايين الأفكار تطرق في رأسه، كان يشعر ببالونات تنفجر في دماغه .. كان يسمع صوتها بوضوح …
” بوووووووووووم ….. ” وبكاءٌ يعلو في الأرجاء ” لا أحبه ,, لا أحبه .. ماما أنا لا أحبه ,,, لقد فقع لي بالوني الأحمر، قولي له أنني لا أحبه “… يصطنع “هو” دموعاً باحتراف ، يخفي وجهه عن نظراتها بكومة أصابع .. تركض .. تحضنه وتبكي وتبكي حتى الغفاء…..”
يهز رأسه بعنف خمس مرات، يحاول أن يمحو ما علق من صور وحنين … ” ليتكِ تظهري الآن في وجهي حتى التقطك وأرسم خريطة العالم على جسدك، ليتني أستطيع أن ألمح شعركِ كي أشده إلي وامسح بجثتك أطراف المدينة … “
شعركِ؟ ..
“شعرك ليلٌ دامس لمت أطرافه بضفيرتين وأربع شرائط … زعقة تقلب البيت رأساً على عقب .. كان يهوى سماع هذه السيمفونية، وكان يشد الضفيرة حالاً عنها الشريطة -عن قصد- كي يسمع صرخاتها الطفولية تلك، وكي يحاول إرضائها ببمبونة وقبلة على الجبين .. “سألم لك الضفيرة من جديد .. لا تتحركي .. لا تتحركي ..” وتعلو في الأرجاء موسيقى وغناء ….
كلبة .. كلبة .. كيف استطعتِ أن تفعليها .. رفضناه نعم وأنت تعلمين الأسباب، أتريدين أن نعطيكِ لمن علم خاله على عمنا ونتف من شاربه ثلاث شعرات! .. يا للعار! .. يا للعار! لطفاً أيها السماء .. تريد أن تجعلنا علكة في فم الناس وأهل الضيعة .. سأشرب من دمك حتى أسد ظمأي وأروي غليلي .. سأنصب جثتك في ساحة الضيعة وليعلم المارة أننا سنقطع شرايين من يحاول أن يقول مرحبا لأولئك الأوغاد حتى لو كان من دمنا!!
أحس بالحرارة تغزو جميع أطرافه وتجتاح جبينه دون أن يجد ما يبرد ناره!
” نار .. نار .. حرارته كالنار ” صرخت .. كان بالكاد يستطيع فتح عيناه لحظة هوت على جبينه نقطتان باردتان .. لقد كانت تبكي ويال حنانها وهي تمسح بيدها على شعره .. أمضت الليل بقربه، كان يستطيع أن يرى وجهها المصفر خوفاً وشفتاها اللاتي كانت ترتجفان كلما مدت يدها لتتحسس حرارة جبينه..”
جبينه؟ أحقاً يهمها جبينه فيما لو بقي مرفوعاً أو حتى داسته الأقدام؟ تفو..تفو تفو عليكِ يا حشرة.. مسح ما علق على فمه من لعاب بطرف كمه .. تحسس شفتاه .. وابتسم
” فمٌ أحمر معجون بمعجون الطماطم .. معكرونة سباغيتي .. أكلتهما المفضلة، كانت تطهوها له خصيصاً وبعد أن تصف الأطباق وتجهز الشوك .. يبدأ السباق من يستطيع أن يأكل صحنه بمدة زمنية أقل.. علت الضحكة لحظة تذكر كيف كانت تدحش في فمها الصغير لقمة كبيرة وتحاول أن “تشفط” الزوائد عبثاً.. كانت حقاً مضحكة في مظهرها … ترى هل كان شكلي يبدو كشكلها آنذاك !”
قطب جبينه وصرخ “المهم الآن هو شكلي أمام الناس” .. انقلبت الضحكة في ثانية إلى دمعة .. وما لبثت أن عادت الدمعة إلى ضحكة .. ثم إلى دمعة مرة أخرى .. حاول أن يحمّل قدماه ثقل جسمه أكثر من ذلك، لكنهما خانتاه ..ارتمى بثقل على طرف الرصيف، ضم نفسه إلى نفسه، وأجهش في بكاءٍ لا ينتهي …
يناير 31, 2009 عند 10:37 ص |
فتوشة رائعة الكتابة و الصور.
يناير 31, 2009 عند 11:00 ص |
العدالة لذكرى من سُرقت منها الحياة باسم الشّرف الكاذب
يناير 31, 2009 عند 11:42 ص |
أنفدتِ كل مالدي من كلمات ، رائعة .. مميزة، هي المرة الثانية التي أقرأ فيها لك نصاً يحمل هذا النسج في المشاهد.
ربما هذه المرة أثقل وقعاً على الروح من المرة الماضية .. في “أنا وشادي”، أهنئك.
يناير 31, 2009 عند 11:47 ص |
تبرعين دائماً في رسم النهاية المُثلى ..
هذه موهبة لا يملكها الكثيرون .
تدوينة جميلة .
يناير 31, 2009 عند 1:20 م |
تذكرني القصة برواية نجيب محفظ بداية ونهاية لا أعرف إن كنت قد قرأتها
في نهايتها يتوجب على الأخ أن يقتل أخته ويمضيان معاً لأجل ذلك فهي تعرف بأنها لوثت شرفهم ..
فقط من لغة العيون يتذكران جميع ما أمضياه من عمر وذكريات .. يرويها الكاتب بشكل مبكي
تنتحر وتريحه من أن يقتلها.. وأذكر أنها تترك له شيئ ما ورقة او كلام مع أحد يقول بأنها لا تفهم إن كان الشرف بالعفل أهم من الذكرى الجميلة وأهم من حبهما الأخوي الكبير !!
رائعة جداًَ فتوشة …
البنر الجديد رائع أيضاً ..
كل الخير صديقتي ..
يناير 31, 2009 عند 3:23 م |
كتبتي و أبدعتي ..
ماجد..
http://majedlife.wordpress.com/
يناير 31, 2009 عند 5:09 م |
مجد:
مبسوطة أنو عجبتك
—————————–
syriangavroche:
ليس المهم الذين سرقت منهم الحياة بقدر ما هو مهم من ستسرق منهم الحياة!
سعيدة بمرورك ها هنا .. بالمناسبة أتابعك دائماً
————————–
يوراميوم:
لا أعلم لما قبل أن أضغط على زر نشر تذكرتك، وتذكرت أن علي أن ألون الماضي بالرمادي!
سعيدة لأنها أعبتك، بالمناسبة مباركة مدونة أوشو .. خطوة مميزة
————————
مجنون:
لم أرغب أن أجعل النهاية عبارة عن جريمة قتل، وددت أن أتركها مفتوحة .. فقد آن لنا بالفعل أن نفكر جيداً في الموضوع .. هل حقاً ستهون علينا الذاكرة
أنهن لسن مجرد “دمية تحمل وحدها وزر شرف العائلة بأكملها” أنهن نبض .. حياة .. ذكريات
———————–
فروحة:
للأسف لم أقرأ هذه الرواية، لكنك شجعتني بالفعل على قراءتها .. تبدو جميلة حقاً
شكراً لأن القصة والهيدر أعجباكي
————————–
ماجد:
فبراير 1, 2009 عند 8:07 ص |
رائعة حقاً كما تعودنا منك فتوشة
قدرتك على رسم الصور الجمالية والتخيل رائعة حقاً
ما شاء الله
فبراير 2, 2009 عند 4:40 ص |
أوه …
بتوقيت الصباح ولست أنام بعد …
ومع نصك الأثير …
تجربة جديدة فتوشة وبعد آخر تجاوزته مع هذا النص المثقل بكل شيء …
لن استطيع حتى امتطاء ابتسامة …
خجلاً …
لكي تحيّاتي صديقتي …
فبراير 2, 2009 عند 12:29 م |
بعد غياب عادت الحجة فتوشة بتدوينة اكثر من رائعة.
لك تحياتي
فبراير 2, 2009 عند 8:19 م |
ماهذا الجمال الذي ألمسه هنا !! ؟
سملت يداك فتوشة ,,,
أدهم
فبراير 4, 2009 عند 1:55 م |
عندما استل ذلك السكين ليغسل عاراً جلبته أخته للعائلة , ما أن رفع ذلك السكين متوجهاً إلى قلبها الصغير …….
فإذا بهاتفه المحمول يرن …
- توقف برهة ..
- امتدت حياة المسكينة إلى دقيقة أخرى ..
- أجاب الهاتف فإذا بحبيبة قلبه ..
هو : السلام عليكم ..
هي : أريد أن أقول لك شيئاً ..
هو : ليس هذا وقتاً مناسباً فأنا أريد أن أغسل عار عائلتي ..
هي : أنا حامل ….
والسلام ختام ..
فبراير 5, 2009 عند 9:30 م |
قطر الندى:
أنت الرائعة، بس ما بقى تغيبي علينا هالقد!
—————————
إنسان:
صديقي .. ابتسم، أرسمها كبيرة … لا تمنع شيء يمنعك من الابتسام حتى الخجل
بالمناسبة الابتسامة في الخجل أحلى ..
——————————
ياسر:
أهلين
، وتحياتي لك
———————————
أدهم:
وسلم مزاجك الذي سمح لك بقراءة بعض الخربشات ..
شكرا لمرورك
——————————-
شامخ:
قوية قوية قوية
بالفعل للأسف هاد يلي صاير، لو الشغلة أنو بس البنت عم تغلط وهنن عم يعاقبوها نص مصيبة، بس المشكلة أنو الشب بيكون عم يغلط بالحرام بينما أخته تجوزت بالحلال، بيروح يغسل شرفه الأسود بعمايله بقتل أخته
فبراير 6, 2009 عند 7:35 ص |
ضم نفسه إلى نفسه، وأجهش في بكاءٍ لا ينتهي
تغزلين من بشاعة أمراض مجمعٍ جمالا أدبيةً يستحق التصفيق إلى الأبد ..
سعدت جدا بأن أقرأ لأديبة تجيد أسلوباً خاص وحبكة ذات لونٍ أصفر جميل
شكرا لك
فبراير 7, 2009 عند 3:19 م |
فتوشه .. صرلي مده بقرالك وبطلع .. بس هالمره ماكتفيت بهالشي
اللي كتبتيه كتير حلو .. والصياغه أحلى وأحلى ..
جد عيوني تسلم دياتك
فبراير 10, 2009 عند 8:52 م |
بعدك متل ما إنتي، رائعة في إبداعك. متابع و لكن من بعيد .. حتى حين.
فبراير 13, 2009 عند 5:44 م |
جسكالا:
سعيدة أكثر لأنكِ قرأتِ … لكن كلمة أديبة مبهبطة شوي كتير صح
أهلا بكِ
———————–
غزل البنات:
مبسوطة فيكٍ، شكراً لأنك عم تقري، وشكراً لأنك خليتيني أعرف أنك عم تقري
على فكرة بموت بشي أسمو غزل البنات
———————
عوني:
المهم أن تبقى متابع
.. شكراً
——————-
ماريا:
غريب كيف تجمع كلمة شرف مع كلمة جريمة … الشرف لا يمكن أبداً أن يجتمع في يوم مع الجريمة ..
بس يتذكر يلي رح يرتكب جريمة أنو هي مو وحدة رح يقتلها وخلص، هي اخته .. ذكرياته .. طفلته .. لحظاته الحلوة … قطعة من دمه ..
فبراير 18, 2009 عند 3:45 ص |
أكثر من رائع فتوشة
تذهلني الكلمات و الخاتمة الغير متوقعة _ لقد قتلت مرتين الأولى برفض العريس , و الثانية برقصة الدم بعرس شهادتها .
جميل تطويعك للكلمات و إنحنائتها .
فبراير 28, 2009 عند 5:13 م |
Hawk eye:
والأجمل أنك قرأت..
مارس 9, 2009 عند 3:34 م |
“سأفقع عينها بأصابعي، ”
عزيزتي فتوشة ، سأفقأ عين من يزعلك …..
مارس 12, 2009 عند 7:29 م |
M4R:
عين مين بدك تفقع لتفقع، والله كتار كتير يلي عم يزعلوني
الله يسامحهم ..
شكراً لاهتمامك ومرورك