كان يا ما كان في أحد الأزمان .. كان هناك وطن صغير يقع شرق المتوسط، في هذا الوطن يسكن كائن له قامة طويلة، وأذرع قريبة الشبه بأذرع الشامبنزي، وساقان ضامرتان في نهايتهما أقدام عريضة، أما في القمة كتلة صلبة مغطاة بالشعر، وفيها ثقوب عديدة ، في المقدمة وعلى الجانبين .. وهذا الكائن يستخدم الثقب الأمامي وخاصة العريض في الكتلة الصلبة في القرض والغناء والصفير، وأيام الشتاء يستخدمه للتنفس، أما أيام الرعب فيستخدمه لغرض واحد وهذا الغرض لم يحدد له بعد اسم محدد، قال بعضهم للدفاع عن النفس، وقال آخرون للقتل، أما الكثرة الغالبة فتؤكد أن الاستعمال الوحيد لهذا الثقب في زمن الرعب يكون للانتحار!
على الضفة الأخرى من هذا الوطن –جهة الشمال- تشرق الشمس كل يوم، وينصرف الناس لأعمالهم دون أن يخطر في بالهم ولو للحظة، أنه وعلى الضفة الأخرى من الشاطئ الذي يقضون معظم عطلاتهم بالمرح على رماله هناك أقبية وغرف مظلمة تحترف صناعة الموت والوجع .. !
وكانت السجون وكان “رجب” أحد سجناء هذه السجون الذين جردوا من كل شيء بما في ذلك ما يطلق عليه سكان الشمال “شمال المتوسط” اسم الإنسانية!
عانى رجب لمدة خمس سنوات متواصلة -كما زال يعاني المئات غيره إلى اليوم- من أقصى وأشد أنواع التعذيب التي تقشعر الأبدان لمجرد ذكرها، كان رجب صامداً رغم كل شيء يحفظ كلمات أمه عن ظهر غيب “احذر يا رجب الحبس ينتهي أما الذل فلا، لا تقل شيئاً عن أصدقائك .. أتسمعني؟!” سمعها .. سمعها كثيراً .. كانت كلماتها الصلبة ونظراتها القاسية جسراً جعلت منه رجلاً لخمس سنين .. وتحمل .. تحمل كثيراً إلى أن انهار الجسر وماتت أمه! لا لم تمت بل هم من قتلوها!
ليت أخته سنية كانت مثل أمه، ليتها ساعدته ولو قليلاً !لكن لا سنية لم تكن تشبه أمه أبداً لا في الملامح ولا في الصوت ولا حتى في طريقتها بالتعبير عن حبها !
وسقط رجب .. وانهارت إرادته، لم يتحمل جسمه أكثر من ذلك، حاول بشتى الطرق أن يرغمه على التحمل حاربه لمدة طويلة، جامله، سأله أن يقف إلى جانبه، لكن سياط الأوجاع بقيت تغزوه دون رحمة، فكر في لحظة ضعف أنه كان عليه أن يفعل شيء آخر غير أن يموت ببلاهة… ووقع! ..
وقع تلك الورقة المشؤومة، وقع عاره وذله، أهٍ كيف استطاع أن يصافح تلك اليد التي كانت تتلذذ بتعذيبه وتلويث دمائه!
وغادر رجب السجن مطأطأ الرأس ذليلاً، ليسافر بعد عدة أيام إلى الخارج كي يتعالج ، لكن صوت الضمير أبداً لم يصمت ولم يكف ولو لحظة عن تعذيبه، وكم أحس يومها بتفاهة الآلام التي سببتها له السياط مقارنة بالآلام التي يسببها له سوط الضمير والذل والعار!
لكن لا لن يبقى ساكناً سيكتب، سيكشفهم على حقيقتهم، وليسمع كل الناس عما يجري في بلاده، وكتب .. وطلب من سنية أيضاً أن تكتب ..
إلا أن رسالة غير متوقعة وصلته من شخص لا يعرفه يخبره عما تتعرض له أخته سنية وزوجها حامد في “شرق المتوسط” من مضايقات بسببه، لطالما كان رجب يتمنى الطهارة ويرجو الغفران عن فعلته الشنيعة التي ارتكبها، والآن يشعر أنه أقوى أقوى من أي وقت مضى .. والفرصة حتماً باتت مناسبة، ولن يضيعها أبداً..
… وتنتهي السطور التي كتبها رجب هنا ، لكن أخته سنية تكمل الرواية حيث تخبرنا أن رجب عاد إلى بلاد “شرق المتوسط” ليتم اعتقاله بعد ثلاثة أيام وتحكي كيف أنه غاب في السجن مدة ثلاثة أسابيع ليعود بعد ذلك فاقداً بصره .. يلهث … أحرقي الأوراق (يقصد الرواية) … أحرقيها .. ثم مات! ..
سنية تعرف بأن رجب لو ظل حياً لغضب كثيراً لأنها ستنشر الأوراق، لكنها كما تقول امرأة خاطئة تود أن تتبع طريقة رجب ذاتها .. أن تدفع الأمور إلى نهايتها لعل شيئاً بعد ذلك يقع!
وانتهت الرواية … رواية “شرق المتوسط للكاتب السعودي المسحوبة جنسيته عبد الرحمن منيف” والتي استطيع أن أقول بأنها أخذت مني وقتاً أطول من اللازم في القراءة، ليس لأنني لم أحبها أو لأنها لم ترق لي، بل فقط لأن “قلبي” لم يكف عن إيلامي للحظة خصوصاً عند مشاهد التعذيب المرتكبة في السجون، كنت أشعر أنه يكفي هذا لليوم .. فلا أرغب بمزيدٍ من الحزن والألم ! كنت متعاطفة مع رجب إلى أبعد الحدود، أشعر بذله وعذاباته، يصفعني ضميري وكلمات سنية!
تقنية كتابة الرواية أعجبتني كثيراً، حيث يتناوب رجب وسنية على كتابة فصول الرواية “الست” مما يكسبها نكهة مميزة “غير مطروقة” عموماً ..
لقد كانت لي تجربة سابقة “اعتبرها فاشلة” مع عبد الرحمن منيف حيث بدأت برواية “قصة حب مجوسية” لكني لم أكملها ولم تعجبني! إلا أنه ومن حوالي شهر أو أكثر بقليل تحدث الأخ ياسين “صاحب مدونة أمواج البحر الإسبانية على فرات الشام” عن رواية عبد الرحمن منيف “الآن هنا” أو كما تدعى أيضاً “شرق المتوسط مرة أخرى” فأحسست بأنها رواية تستحق القراءة بالفعل ..
بحثت قليلاً عن الرواية على الانترنت فعرفت أن الآن هنا ما هي إلا إعادة كتابة لرواية “شرق المتوسط” حيث أن الظروف والخوف من السلطات وقتها لم تسمح للكاتب بكتابة الرواية بالطريقة المثلى، فجاءت رواية ” الآن هنا” بجرأة أكبر، يقول محمد في مدونة كتب أن قراءة رواية “الآن..هنا” أجدى وأفضل لمن يهتم بالتفاصيل، تفاصيل السجون والتعذيب والألم، أما لمن يهتم بقراءة مشاعر وأحزان المسجونين بصورة أكبر فليقرأ “شرق المتوسط”..
بصراحة صدمتني هذه الجملة ، صحيح أن رواية شرق المتوسط تدور في أغلبها حول المشاعر – كما يقول محمد- لكن المقاطع القليلة التي وصفت التعذيب كانت مؤلمة ومؤلمة للغاية، أشعر بشوق لقراءة “الآن هنا” رغم الخوف الذي أشعره من ” صدمات الألم” التي ستنتابني، لكن لابد لي أن أعرف حقاً ما يدور هناك خلف القضبان .. لذلك سأرتاح قليلاً وأقرأ كفاصل عدة كتب أخرى قبل أن أتناول وجبتي وصدمتي الثانية! ..
يمكنك تحميل رواية “شرق المتوسط” من هنا
الأوسمة: قصة حب مجوسية, كتاب, أدب, أدب السجون, الآن هنا, رواية, شرق المتوسط, عبد الرحمن منيف
أبريل 16, 2009 عند 2:32 م |
هنا قرائتي
http://alghamdi-salma.blogspot.com/2008/11/blog-post_09.html
http://alghamdi-salma.blogspot.com/2009/03/blog-post_08.html
تحياتي
أبريل 16, 2009 عند 3:44 م |
يسلمو ايديك فتوشة.. وشكرا على التلخيص المميز للرواية..
بالفعل قريت عنها بمدونة الصديق سيريان غافروش.. وحطيتا عالدور من هداك الوقت
شكرا مرة تانية..
وائل
أبريل 16, 2009 عند 8:16 م |
سلمى:
أهلا فيك هنا
، تمنيت صراحة لو استطيع قراءة ما كتبتِ لكن مدونات بلوغ سبوت محجوبة في سورية، وبرنامج فك الحجب الذي لدي معطل منذ أسبوع!
سأحاول حالما أتمكن من فك الحجب! .. وحلوة يا بلدي
————————
وائل علوني:
الأخ سيريان كان حاكي على رواية الآن هنا، وقتها -متلك- وعدته إني رح حط الرواية ع الدور، بس لما دورت ع النت وعرفت أنو “شرق المتوسط” هي تكاد تكون الجزء الأول للرواية -إن صحت التسمية- قررت أن أبدأ بها
شكراً لمرورك .. أسعدني
أبريل 17, 2009 عند 10:50 ص |
يا الله القصة جداً مؤلمة
سأقرأ الرواية فأنا لم يسبق لي قراءة عبد الرحمن المنيف
ستعرف عليه و خوفي أني سأندم لأني لم أقرأ له من قبل
أبريل 17, 2009 عند 11:42 ص |
مقالة جميلة جداً, و أشكرك على التنويه لمقالتي عن “الآن هنا”
بخصوص أن “الآن هنا” هي إعادة كتابة لشرق المتوسط فلا أعتقد أن الأمر هكذا (أو لنقل هكذا تماماً) لأن الآن هنا تتحدّث عن وجه آخر من وجوه الاستبداد العربي مختلف عن الوجه الذي صوّره لنا في شرق المتوسط.. و كلا الوجهان قبيح طبعاً….
عدا اختلاف أسلوب الاستبداد, كان له أيضاً رغبة في أن يعبّر بشكل رمزي عن أن إعادة كتابة رواية عن الاستبداد و أدب السجون بعد سنوات طويلة من الأولى يعني أن الأمور لم تتغير.
تحياتي
أبريل 17, 2009 عند 11:55 م |
سلااااااااااام:
فتوشة ؟؟ رغم غرابة الإسم إلا اني أشكرك على تلخيصك الرائع للرواية ، بالنسبة للتناوب في كتابة الفصول فقد قرأت رواية لأديب مغربي شاب و استعمل نفس التقنية و كانت نتيجتها رائعة كذلك ..أعتقد أن الرواية اسمها “”لا أحد يعرف ما أريد”" و لكن طبعا “”منيف”" هو السباق لهذا الأسلوب فيما أعتقد..ربما لن أكون حيادية فيما يخص القراءة فانا أدبية حد النخاع ، عبد الرحمان منيف أكثر من كاتب إنه يختصر الزمن و الإنسانية بين طياة رواياته ..أما بالنسبة لي فأنا أعتبر أن روايته “أرض السواد “هي الأفضل على الإطلاق رغم أنها لم تنقص من شغفي بالأدب الروسي وديستويفسكي خصوصا …دمت قارئة..
تحية من بنت الجزائر .رايي.
أبريل 19, 2009 عند 12:32 ص |
سمعت الكثير وقرات الكثير عن رواية شرق المتوسط
ولكن لم اضعها حتى الان على القائمة
وان شاء الله بعد هذا التدوينة الرائعة
سوف تكون على راس القائمة…….
دمتي بخير………
أبريل 19, 2009 عند 9:33 م |
نوفة:
أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبدا ..
لسى الأيام جاية، ليش الندم؟
————————-
ياسين:
بل شكراً لك أنت أنك نبهتني إلى الروايتين
فهمت تماماً ما تقصد، عموماً لن اتخلى أبداً عن رغبتي بقراءة الآن هنا.. بدأت بالمقبلات تمهيداً للوجبة الدسمة
—————————-
rayii
أهلا بك رايي، سعدت بمرورك وأهلا بكل أهل الجزائر، ممم لا أحد يعرف ما أريده، كانت من أولى الروايات التي قرأتها، الثالثة تقريباً
كان ذلك منذ زمن طووووووووويل
أرض السواد .. شكراً على النصحية من المؤكد أنني سأضعها على قائمة القراءة.
بالمناسبة أختي رايي بما أنك مدمنة قراءة، عودي إلى هنا بعد عدة ايام وستقرأين عن فكرة ما ستعجبك
بانتظارك.
———————
اللجي:
ماذا تنتظر؟
شكراً لمرورك أخي اللجي
أبريل 21, 2009 عند 9:26 ص |
أتذكر أنني بكيتُ كثيرا من شدة التأثر عندما قرأت هذه الرواية الرائعة قبل سنوات .. شكرا لك ِ فتوشة على عرضها هنا
أبريل 22, 2009 عند 7:57 م |
ميس:
سلامتك .. سلامتك
يمكن ما لازم نبكي بقى .. لازم نقوى
أبريل 24, 2009 عند 6:44 ص |
مدونة جميلة
أبريل 30, 2009 عند 2:57 م |
أذكر عندما قرأت هذه الرواية بحالة سوداوية اصابتني، كانت رواية مكتوبة بطريقة تحمل القارئ إلى داخلها ليعيش الاحداث بنفسه، لم ارغب يوماً في ان اهزم الظلم كما رغبت حينها ولم اشعر بالأنكسار كما شعرت مع تلك الرواية،
وبس
مايو 3, 2009 عند 5:14 ص |
هالرواية سببتلي اكتئاب مزمن ومع ذلك هي رابع مرة بقراها