لا أذكر يوم التقينا للمرة الأولى .. لا أذكر رعشتنا الأولى ولا لحظة ولد الحلم، كل ما أذكره بأننا منذ تلك اللحظة علقنا الشمس على أبوابنا، ولوحنا بأصابعنا إلى كل السواد، أحببته نعم، لم اعرف يوماً سواه، كان في كل صباح يسرق من عطري برعماً ويخيط منه زاد لروحه ..
كان يخبرني بملء فمه أنه يحبني، وأن الحب بكل مساحاته الرحبة يختصر بي! كنت أصدقه، كيف لا، وهو من جلب لي الرذاذ والأيام، وحمل لأجلي حدود السماء، هو من سقى عطشي بحب ليس يطال، وانهمر عشقاً على رصيف أيامي…
في كل يوم كنت أحبه أكثر، ورغم ذلك أخاف منه أكثر، كانت تفزعني فكرة أن أذوب هياماً في شخص ما قد يتركني يوماً، كنت دائماً أحاول أن أبعد تلك الأوهام عني، كنت أبصقها بعيداً بعيداً، أخرجها محملة بكل ساعات سهري وتعبي.. لكنها تعود لتلتصق بأفكاري وتتربص بي ..
ذلك الحائط اللعين يحترف إغاظتي، يمد لي لسانه بعبثية لا تحتمل، “لا تحاول أن تيقظ غضبي من سباته، لن أتردد في تحطيمك!” أقولها متصطنعاً اللامبالاة، يضحك يضحك حتى الثمالة لدرجة أنني ظننت بأنه سيهوي فوق رأسي، أدير ظهري محاولاً تجاهله، يعلو الصوت أكثر، يصبح أشبه بحجارة تصدم رأسي، انترع من جيبي لفافتي قطن واحشرهما بغضبٍ في أذني، يغيب الصوت لحظة ليعود من جديد، تخترقني ضحكاته، تمزقني، تكاد تفتت جسدي، “ويل لك، كيف استطعت أن تحشر نفسك داخلي!”

